ساسي سالم الحاج
52
نقد الخطاب الاستشراقي
أرسل إلى أهل « حضور » فقتلوه ، فاستأصلهم « بخت نصر » وقبره يقع في جبل باليمن اسمه « صنين » « 1 » . وما قصة « مسيلمة بن حبيب الحنفي » ببعيدة أو غريبة علينا ، وقد نقل لنا الأخباريون عن أخباره الشيء الكثير وأكدوا أنه قد ادّعى النبوّة بمكة قبل الهجرة . واستطرد الطبري كثيرا في نقل أخباره وأحواله إلينا قبل وفاة النبي وبعده وهي أخبار تدعو إلى التمحيص والتدقيق وغربلة الصحيح من الموضوع منها لأن هذه الشخصية لم تعط حقها من الدرس والتحليل العلميين . وهؤلاء الأنبياء والمتنبّئون لم تكن أمورهم خافية على أهل قريش إبّان الدعوة المحمدية ، ولم يخف القرآن أخبارهم عنهم ، بل إنه أشاد بهم ، وجعل الكوارث التي حاقت بأقوامهم الذين كذبوا بهم عظة وعبرة لغيرهم ، ومن هنا لم يكن هؤلاء الأنبياء إرهاصات أولية للدعوة المحمدية ، وإذا كانت فكرة النبوة قد تأصّلت في هذه الأصقاع فإنها لم تكن الأساس الحقيقي لظهور الدعوة الإسلامية . ولكنها سنة اللّه في خلقه الذي يبعث لهم بين الحين والآخر أنبياء ورسلا لهدايتهم إلى الطريق المستقيم . ومن هنا نصل إلى خاتمة حول هذا الموضوع مفادها أن البعثة المحمدية لم تتأثر في اندلاعها بالأحوال الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية والخلقية التي مرّت بها الجزيرة العربية ، ولكنها نبوّة وهداية أصلية في عقائدها وشعائرها وعباداتها ومعاملاتها ، أرادها اللّه أن تكون كذلك دونما تأثر بتلك العوامل الخارجية والداخلية التي عرف المستشرقون كثيرا على أوتارها ، التي حاولوا تفسيرها بمنظار العوامل النفسية والمادية التي مرت بها الجزيرة العربية أو مرّ بها النبي العربي في حياته الخاصة أو العامة . وكما عزف « وات » و « رودنسون » على أثر الظروف المتعلقة بالجزيرة العربية في قيام الإسلام ، عزف « السير وليام موير » بدوره على هذا النغم النشاز في كتابه الهام : « حياة محمد » « 2 » . خصّص « موير » هذا الكتاب الذي نشره عام 1858 م للسيرة النبوية ، وشفعه بمقدمة طويلة تناولت مصادر هذه السيرة والتي أجملها في القرآن الكريم الذي تعرض تفصيلا إلى خصائصه ، وكيفية نزوله ، وطريقة جمعه ورسمه ، واستنبط منه ما شاء من
--> ( 1 ) المرجع السابق ، ج 6 ، ص 84 . ( 2 ) Muir ( W . ) Life of Mahomet , 4 Volumes , London , Smith , ELDER Co . 65 , CORNHILL , 1858 .